الشنقيطي

173

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تعليقا « 1 » - انتهى محل الغرض من كلامه . فقد رأيت مذاهب العلماء في المسألة وأدلتهم . قال مقيّده عفا اللّه عنه : والذي يظهر - واللّه تعالى أعلم - وجوب الجمع بين الأدلة المذكورة ، وأنّ علو الإمام مكروه لما تقدّم . ويجمع بينه وبين قصة الصلاة على المنبر بجوازه للتعليم دون غيره . ويدل لهذا إخباره صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه إذا ارتفع رأوه وإذا نزل لم يره إلا من يليه ، وجمع بعضهم بأن ارتفاعه على المنبر ارتفاع يسير وهو مغتفر . أمّا علو المأموم فقد تعارض فيه القياس مع فعل أبي هريرة ؛ لأنّ القياس يقتضي كراهة ارتفاع المأموم قياسا على ارتفاع الإمام وهو قياس جلي ، وإذا تعارض القياس مع قول الصحابي فمن الأصوليين من يقول بتقديم القياس ، وهو مذهب مالك وجماعة ، ومنهم من يقول بتقديم قول الصحابي . ولا شك أنّ الأحوط تجنّب علو كل واحد من الإمام والمأموم على الآخر . والعلم عند اللّه تعالى . و « أنّ » في قوله فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا هي المفسرة . والمعنى أنّ ما بعدها يفسر الإيحاء المذكور قبلها . فهذا الذي أشار لهم به هو الأمر بالتسبيح بكرة وعشيا ، وهذا هو الصواب . ويحتمل أن تكون مصدرية بناء على أن « أن » المصدرية تأتي مع الأفعال الطلبية ؛ وعليه فالمعنى : أوحى إليهم أي أشار إليهم بأن سبحوا ، أي بالتسبيح أو كتب لهم ذلك بناء على القول بأن المراد به الكتابة ، وكونها مفسرة هو الصواب . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا ( 13 ) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 ) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) [ 12 - 15 ] . اعلم أوّلا - أنّا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أنّ من أنواع البيان التي تضمّنها أن يذكر شيء مع بعض صفاته وله صفات أخر مذكورة في موضع آخر ، فإنّا نبينّها ؛ وقد مرّ فيه أمثلة كثيرة من ذلك ، وأكثرها في الموصوفات من أسماء الأجناس لا الأعلام ، وربما ذكرنا ذلك في صفات الأعلام كما هنا - فإذا علمت ذلك - فاعلم أنّه تعالى ذكر في هذه الآية الكريمة بعض صفات يحيى ، وقد ذكر شيئا من صفاته أيضا في غير هذا الموضع . وسنبيّن إن شاء اللّه المراد بالمذكور منها هنا ، والمذكور في غير هذا الموضع . اعلم أنّه هنا وصفه بأنه قال له يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ ووصفه بقوله وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ إلى قوله وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) . فقوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ مقول قول محذوف ؛ أي وقلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة . والكتاب : التوراة ؛ أي خذ التوراة بقوة ؛ أي بجد واجتهاد ، وذلك بتفهم المعنى أولا حتى يفهمه على الوجه الصحيح ، ثم يعمل به من جميع الجهات ، فيعتقد عقائده ، ويحل حلاله ، ويحرم حرامه ، ويتأدب بآدابه ، ويتعظ

--> ( 1 ) كتاب الصلاة ، باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب .